أبي حيان الأندلسي

564

البحر المحيط في التفسير

والتعريض للشهادة ، وإعلاما أن لا مفر مما قضى اللّه تعالى : قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا « 1 » واحتجاجا على اليهود ، والنصارى بإنبائه صلى اللّه عليه وسلم بما لا يدفعون صحته ، مع كونه أمّيا لم يقرأ كتابا ، ولم يدارس أحدا ، وعلى مشركي العرب إذ من قرأ الكتب يصدقه في إخباره بما جاء به مما هو في كتبهم . إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أكد هذه الجملة : بأن ، واللام ، وأتى الخبر : لذو ، الدالة على الشرف ، بخلاف صاحب ، و : الناس ، هنا عام ، لأن كل أحد للّه عليه فضل أيّ فضل ، وخصوصا هنا ، حيث نبههم على ما به يستبصرون ويعتبرون على النشأة الآخرة ، وأنها ممكنة عقلا ، كائنة بإخباره تعالى : إذ أعاد إلى الأجسام البالية المشاهدة بالعين الأرواح المفارقة ، وأبقاها فيها الأزمان الطويلة إلى أن قبضها ثانية ، وأي فضل أجل من هذا الفضل ، إذ تتضمن جميع كليات العقائد المنجية وجزئياتها : ويجوز أن يراد : بالناس ، هاهنا الخصوص ، وهم هؤلاء الذين تفضل عليهم بالنعم ، وأمرهم بالجهاد ففروا منه خوفا من الموت ، فأماتهم ، ثم تفضل عليهم بالإحياء وطوّل لهم في الحياة ليستيقنوا أن لا مفر من القدر ، ويستدركوا ما فاتهم من الطاعات ، وقص اللّه علينا ذلك تنبيها على أن لا نسلك مسلكهم بل نمتثل ما يأمر به تعالى . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ تقدّم فضل اللّه على جميع الناس بالإيجاد والرزق ، وغير ذلك ، فكان المناسب لهم أنهم يشكرون اللّه على ذلك ، وهذا الاستدراك : بلكن ، مما تضمنه قوله : إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ والتقدير : فيجب عليهم أن يشكروا اللّه على فضله ، فاستدرك بأن أكثرهم لا يشكرون ، ودل على أن الشاكر قليل ، كقوله : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ « 2 » ويخص : الناس ، الثاني بالمكلفين . وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ هذا خطاب لهذه الأمة بالجهاد في سبيل اللّه ، وتقدّمت تلك القصة ، كما قلنا ، تنبيها لهذه الأمة أن لا تفر من الموت كفرار أولئك ، وتشجيعا لها ، وتثبيتا . وروي عن ابن عباس ، والضحاك : أنه أمر لمن أحياهم اللّه بعد موتهم بالجهاد ، أي : وقال لهم قاتلوا في سبيل اللّه . وقال الطبري : لا وجه لهذا القول . انتهى . والذي يظهر القول الأول ، وأن هذه الآية ملتحمة بقوله :

--> ( 1 ) سورة التوبة : 9 / 51 . ( 2 ) سورة سبأ : 34 / 13 .